عندما أمعن النظر في تقاسيم وجه چولبان وفي نظرات صفية أدرك تماما كم هي معقدة هاتين الشخصيتان!!

لأول أصبحُ أسير الشاشة ليس من أجل التشويق وإن كان موجودا! ولا لأجل جودة العمل وهي أيضا حاضرة! ولا من أجل روعة التمثيل والاخراج ولو كانا حاضرين! ولكنني أتابع المسلسل تعاطفاً مع هاؤلاء الاخوات، وان شئت قل متضامنا معهن.

أسبح في خيالي محاولا رسم صورةِ صفية وچولبان الحقيقة، أضع نفسي مكانا أرصد من خلاله حياة هؤلاء الضحايا. فلو كان مجرد مسلسل لقلنا : إنها المسلسلات!! ولكنها الحقيقة، ومهما ابدع المبدعون في كتابة واخراج المسلسل ما وصلتُ إلى مبتغاي!

ومن جهة أخرى تجدني رهين الفضول الذي يسحبني من حلقةٍ إلى حلقة، لاكتشف ماذا سيحصل ولماذا سيحصل؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟

فالقضية أصبحت أكثر من مجرد متابعة مسلسل وإنما هي من أجل تحليل الشخصيات ومحاولة تبرير أفعالهنّ الغريبة، إذ من الاجحاف تلخيص ذلك في وصفكَ لهنّ بالجنون!!

تحملت صفية وهي صغيرة أعباءً قسمت ظهرها شطرين وأدت إلى فقدان توازنها العقلي في الكبر. وهي صغيرة كانت فتاةً جردتها أمها من أبسط الحقوق وهي الامومة، حيث كانت تُشعرها بالفشل وأنها مصدر التعاسة واللعنة. وكلما حاولت الصغيرة تفهم الامر كلما تشابكت الحبال في دماغها.
لماذا؟

يُحكى في الكتاب، أن والد صفية كان يرغب في ولدٍ يُنسيه ألم فقدان ابنه وزوجته نتيجة حادثةٍ مميتة. وكانت حسيبة أم صفية ترغب في طفل ذكر لتكبر في عين زوجها، ولتنال من حبه ما يجعلها سعيدة وهي في باكورة شبابها والدنيا تناديها.

استمر الحال كما هو عليه، وفي كل ولادة تُنحب بنتا، وفي كل ولادة تزداد حسرة وحزنا، تفاقم الحال إلى أن اصبح عقدةً نفسية وجدت حلها في بناتها، حيث كانت تشفي غليلها فيهنّ!!

الصغيرات يعشن مع أمٍ وأبٍ انعدمت مشاعر الحب والحنان بينهن، ولم ينلن مثقال ذرة من حق الامومة ولو من رعاية الاب، ضاعت الصغيرات في براتين الاهمال، وحنان الام الغائب تحول لقسوة وجفاء أذهبا فؤاد البنات حتى طارت عقولهن.

آهٍ!!

تحكي القصة، وهي قصة واقعية حدثت في انقرة، أن من كثرة الاهمال ماتت أربع بنات من أصل سبعة، صفية جولبان ونريمان: ثلاثي الامل.. اللائي وقفن شامخات أمام هذه التعاسة وتحملن أوزار غيرهنّ إلى أن فقدن أمهن في ربيعها الخامس والخمسين.

حملت صفية اخوتها على كاهلها وكانت أما لهن، رعتهن حق رعاية، وقدمت لهنّ أعظم تضحيةٍ يُمكن أن تقدمها طفلة صغيرة. لكن الحمل ثقيل ومسؤولية الاباء وقعت على حاملها اذ لابد من عثرات!!وكان وقْعُ كلِّ عثرة ثقيل ويترك أثره في وجدان صفية البريئة.

تحملت چولبان ما تحملته صفية، وحتى نريمان التي كانت اكثر اتزانا لم تسلم من عواقب الاختلال العقلي، وكانت الوحيدة بين أخوتيها التي كسرت جدار الصمت وقابلت الطبية النفسية والروائية غولسيرين بوديايوغلو، فمن خلال جلسات المعاينة التي تلقتها نريمان صاغت طبيتنا الكاتبة هذه القصة في رواية لتنتج من خلالها لوحة أدبية منقطعة النظير.

أما المسلسل، ومن أجل الحبكة الدرامية قاموا بتعديل في القصة الرئيسة ليخرجوه في قالب تلفزيوني خطف عقول المتابعين.

فبدايةً من خان، بطل المسلسل، شخصية خيالية في واقع القصة. قام كاتب السيناريو بتعديل جميل من خلال هذه الشخصية لاحداث التوازن الغائب في الرواية. فما هو إلا ذاك الولد المنتظر، الذي كان يحمل خلفه أحلام الوالد المرزي في ابنه عمر الراحل.

خان هو رجل الاسرة، الرجل الناجح في حياته الغني الذي يعيل أخواته، ويأخذ بأيديهن ويحتاط لهنّ. أراد كاتب السيناريو أن يضيف ابداعه من خلال هذه الشخصية الوهمية وكل الشخصيات المرتبطة به خارج اسرته، ليرسل رسالة جميلة مفادها أن المال والاعمال والقوة والرجولة ليست كافية لتعويض الحب والحنان والرأفة، وأنّ واجب الامومة والابوة لا يُعوض مهما اجتهد المرء.

ودعوني أنقل لكم صورة وحيدة تلخص واقع صفية وچولبان، حيث يبتدأ المسلسل وهن في عقدهن الرابع. حيث تمضي صفية وچولبان يومهما في التنظيف، وعندما ينتهين من التنظيف يشرعن في التنظيف من جديد وبمجرد أن تقع حبة من خردل في البيت حتى تُعلنَ حالة الطوارئ ليقوما بتنظيف شامل للبيت!!

صفية لا تنظف الاوساخ، ولكنها تحاول تنظيف أخطاء غيرها في حقها، تنظف الاهمال وتغسل القسوة والكراهية التي لا أثر لها إلا في دماغها. لم أكن أتصور يوما أن يكون سبب جنون المرء هو النظافة. صفية وچولبان لا يلمسان أحدًا!! أيً كان، لا تخرجان من البيت، ولايزورهما ضيفا. هما مجرد أسيرتان، تمضيان حياتهما في سجن ليتحملا حكم جريمة ارتكبت في حقهما.

مهما اجتهدت في الوصف، ومهما اجتهد المخرج في تصوير عمله، فلن يفهم أحدٌ حال صفية وچولبان. فعندما يفقد المرء ثقته في أقرب المقربين لديه وهما أبواه، حيث يتلقى منهما الكراهية عوض الحب والجفاء عوض الحنان والاهمال عوض الاهتمام يصبح الاخر في نظرهما مصدرضرر وجب الاحتراس منه.

لازالت أصابعي تستفزني لمواصلة الكتابة ولكنني أطلت عليكم، وكثير من الكلام لم أذكره واقتصرت على جوانب لخصت واقع القصة ونبذة عن المسلسل الناجح الذي تم تغيير اسمه من شقة القمامة إلى شقة الابرياء ولكنها ليست شقة للقمامة ولا للابرياء ولكنها شقة الضحايا.

محمد السعودي

كُتب بواسطة

محمد السعودي

كاتب في موقع أراجيك ، مختص في عدة مجالات أهمها أخبار التقنية وكل ما يخص أخبار التكنولوجيا.